السبت، 24 أكتوبر 2009

من أعلام القرية - المستشار محمود منصور








المعتقلات صنعت منَّا رجالاً غيورين على الدعوة
 التركيز على التربية الإسلامية هو الملاذ الآمن للإصلاح
 مطلوب استغلال شهر رمضان في التقرب إلى الله وابتغاء مرضاته

المستشار محمود منصور من مواليد 15/9/1928م بقرية أبو بدوي مركز بيلا بمحافظة كفر الشيخ.

كانت نشأته في أسرة متدينة بالفطرة ذات أثرٍ كبيرٍ في حياته وأرست لديه مبادئ وقيمًا إسلاميةً مثل تحري الكسب الحلال والبعد عن الشبهات وإعطاء كل ذي حقٍّ حقه، والعديد من القيم التي ظلَّت معه إلى اليوم وعاش بها ومن أجلها ابتغاء مرضاة الله عز وجل.
دخل كُتَّاب قريته أبو بدوي وعمره 6 سنوات وأتم حفظ كتاب الله وعمر 13 عامًا ودخل بعدها مدرسة المعلمين الأولية التي كانت مدة الدراسة بها 6 سنوات وتخرَّج فيها عام 1948م، وكان ذلك في المنصورة مع عمه، ولكنه أكمل الدراسة في مدرسة عبد العزيز للمعلمين الأولية بالقاهرة نتيجة ظروف عائلية وبعدها حصل على شهادة "الثقافة" عام 49 ثم شهادة إتمام الثانوية القسم الخاص التي تعادل التوجيهية- "الثانوية العامة"- وقدَّم أوراقه في كلية الحقوق عام 1950م وفي عام 54 تخرَّج في كلية الحقوق جامعة القاهرة وحصل على الدبلوم الذي يعادل درجة الماجستير عام 1956م وبعدها سجل الدكتوراه بعنوان "التكافل الاجتماعي في الشريعة الإسلامية
* سألناه: متى بدأت رحلتك العملية؟

** بدأت بتعييني كمساعد إداري بجامعة القاهرة عام 1955 العام الذي ذهبت فيه إلى جامعة الدول العربية لأتقدَّم إلى وظيفة ملحق ثالث بناءً على إعلان قرأته، وبالفعل استلمت خطاب التعيين بعد الاختبار بفترة طويلة، وكان تعييني رئيسًا لقسم المشتريات، وهذا بالطبع لا يمت بأي صلةٍ لمجال دراستي، ولكني بقيت في جامعة الدول العربية حتى تم نقل مقرها إلى تونس وقدمتُ استقالتي قبل بلوغ سن المعاش بسنتين؛ وذلك عام 86.
* لماذا أقدمتم على هذه الخطوة؟
** كنتُ وقتها مديرًا للشئون المالية والإدارية بجامعة الدول العربية، وبعد نقلها إلى تونس قلَّ حجم العمل بشكلٍ كبير، وكانت المرتبات عالية فوجدتُ أنني لا أعمل لكي أستحق هذا المبلغ فآثرتُ الاستقالة، وعندما أخذتُ مكافأة نهاية الخدمة أرجعت للجامعة 10 آلاف دولار منها مقابل الأيام التي لم يكن فيها عمل؛ وذلك على سبيل التبرع.
مع الإخوان
* كيف كانت بداية تعرفكم على الإخوان؟
** كانت معلوماتي الأولية عن الإخوان تتسم بالسلبية بسبب أن عمي كان وفديًّا وكنت أقرأ له صحف الوفد، ووقتها كانت هناك حرب خفية بين الوفد والإخوان نتيجة أن الوفديين كانوا يسيطرون على الحركة السياسية في مصر، وخاصةً في الجامعات؛ هذه السيطرة التي انتقلت إلى جماعة الإخوان انزعج الوفديون لذلك وبدءوا في حربهم الخفية من خلال الصحف الوفدية وأنشئوا مخصصًا لذلك جريدة (صوت الأمة) عام 1946م، وكان المانشيت الرئيسي لها لمدة طويلة بعنوان "هذه الجماعة تهوي" ثم يبتدعون أن هناك خلافات وانقسامات حادة داخل الإخوان، فكانت معلوماتي عن الإخوان في البداية مستقاة من هذه الصحف.
* وكيف تغيرت هذه الأفكار السلبية عن الإخوان لديكم؟
** وأنا طالب في الحقوق عام 1950م كنت أقرأ جريدة (الوفد) كالعادة واستوقفني خبر يتعلق بجريمة أخلاقية، فانزعجتُ انزعاجًا شديدًا وكان الفساد وقتها على أشده في كل النواحي المالية والإدارية والاجتماعية والأخلاقية، وكان حديثي مع نفسي بأني يجب أن أفعل شيئًا لإصلاح أحوال البلد ففكرتُ في إنشاء جمعية صغيرة يكون هدفها توعية الشباب بمبادئ الإسلام والعودة إلى المنهج الصحيح، وفي هذا الوقت اقترح عليَّ أحد أصدقائي الطلاب أن أقابل أحدًا من الإخوان في كلية الطب فهم زملاؤه ولكن حالت الإجازة الصيفية دون هذه المقابلة، وعدتُ إلى قريتنا، وكان الوضع وقتها شديد الاضطراب فجميع الإخوان تم اعتقالهم عام 1950م على خلفية أحداث اغتيال النقراشي، وكانت الانتخابات النيابية في نفس التوقيت ونجح الوفد فيها بمساندة الإخوان ممن هم خارج المعتقلات وتم بعدها الإفراج عنهم.
* وما الحدث الذي غيَّر مجرى حياتك في هذه الفترة؟
** بعد أن عدتُ إلى قريتنا قرأتُ عددًا من مجلة (الدعوة)، وكان ذلك أول عدد بعد الإفراج عن الإخوان المعتقلين، والذي احتوى على مبادئ الإخوان وأفكارهم الأساسية، وأعجبني الكلام جدًّا وتأكدتُ أن هذا هو الطريق الذي أبحث عنه منذ فترة طويلة، وقررتُ الانضمامَ للإخوان وفي أحد الأيام كنت أقرأ عددًا من مجلة (الدعوة) فرآني أحد أصدقاء والدي فقال لي: هل أنت من الإخوان؟ قلت: لا ولكن أريد مقابلة أحدهم والتعرف عليهم فأحضر لي كتابي "خلق المسلم" و"عقيدة المسلم" للغزالي، وتم تحديد موعدٍ لمقابلة أحد الإخوان، وقمتُ بالترتيب لافتتاح شعبة الإخوان في قرية "أبو بدوي"، ولكن كانت هناك عقبة كبيرة في طريق ذلك.
* ما هذه العقبة؟ وكيف تغلبتم عليها؟
** العمدة في قريتنا كان وفديًّا متعصبًا وعندما دعوته للانضمام إلينا أو على الأقل حضور حفل افتتاح الشعبة رفض ذلك وأعد "الخفراء" للوقوف ضدي وضد الشباب الذين كانوا معي ومنعنا من إقامة هذا الحفل، وفي الموعد المحدد حضر الإخوان من مركز "بيلا" إلى قريتنا وجلسوا معنا وناقشونا، ولكن لم يعطونا تصريحًا رسميًّا بالعمل ضمن جماعة الإخوان.
 هل كان لهذا الأمر تأثير عليكم في العمل الدعوي؟
** ولله الحمد فإن الله دائمًا يلهمني الثبات على الحق، وكان عليَّ وقتها مواجهة الظروف الصعبة في قريتنا والمتمثلة في تعنت العمدة فذهبت إلى عمدة قرية مجاورة علمت أن بينه وبين عمدة قريتنا خلافات عديدة، ودعوته للانضمام إلينا بل أن يكون رئيسنا، وكان ذلك بهدف حماية الدعوة وأفرادها والاستمرار على طريق الحق، فمكث الرجل معنا شهرين لم يتحمل فيها العمل معنا فترك الشعبة ولكن كان الفتح من الله بأن انضم إلينا ابن عمدة قريتنا.
* كل هذا المشوار دون صفة رسمية للشعبة؟
** افتتحنا الشعبة في /1/1 1951م، وكنت المسئول الأول عنها واستمررنا كذلك حتى أصبحنا في إطار رسمي في الخمسينيات وتوالت لقاءات إخوان مركز بيلا معنا؛ وذلك حتى محنة عام 1965م.
هيئة التحرير
* كيف عايشتم خلاف الإخوان مع الثورة؟
** في بداية إنشاء هيئة التحرير أرادوا إنشاء فرع للهيئة في قريتنا، فقابلني العمدة، وكلمني بخصوص هذا الأمر فقلت له إنني سأتشاور مع الإخوة أولاً، وسألنا الأهالي عن الهيئة فأفدناهم بعدم موافقتنا عليها وعدنا إلى مقر الشعبة نتشاور في الأمر، وفوجئنا بقدوم الأهالي إلينا وتوافقهم معنا، وفي هذه اللحظة جاءنا مندوب العمدة يعرض علينا عضوية في مجلس إدارة فرع الهيئة فرفضنا، وتمت مساومتنا حتى وصل العدد إلى 4 أعضاء، فذهبت للعمدة الذي أكد لي أن الهيئة ستكون بمثابة الحكومة في قريتنا فقلتُ له: هل أذهب إليهم عند وجود مشكلة ولا أذهب إليك؟ فتردد الرجل وقال: أنا لا أدري شيئًا هم قد قالوا لي ذلك، ومن وقتها بفضل الله لم تقم للموضوع قائمة بعد ذلك.
في عام 153م تفاوضت قيادة الثورة مع الإنجليز حول الجلاء، وقامت وقتها هيئة التحرير التي تنافست مع الإخوان وأعلن الجهاد وتقدمنا في قريتنا للجهاد، وانتقلنا إلى معسكر كفر الشيخ الذي كان مختلطًا بين الإخوان وأفراد من هيئة التحرير، وكان قائد المعسكر هو الرائد حلمي زاهر الذي اتهمته هيئة التحرير بمجاملة الإخوان في المعسكر على حساب هيئة التحرير فتم استدعاؤه إلى القاهرة للتحقيق معه وقابلني بعد ذلك وقال لي: "لقد قلت لهم إذا أردتم جلاء الإنجليز عن مصر فليس أمامكم سوى الإخوان لتحقيق ذلك"؛ مما كان له أطيب الأثر في نفوسنا، وكذلك رفع هذا من أسهم الإخوان في قريتنا خاصة وللجماعة صفة عامة.
* أين كنتم في محنة 1965م؟
** تم القبض عليَّ وقد كنت في القاهرة واستمر الاعتقال من سبتمبر 1965م إلى مارس 67 ثم اعتقلت مرة أخرى أواخر 1967 حتى سبتمبر 1968م.
* ماذا عن ذكرياتك في المعتقلات؟
** الحمد لله بالرغم مما كان نعانيه في السجن الحربي من تعذيب واضطهاد ومعاملة غير آدمية إلا أن ذلك كله ليس له تأثير طالما أنك وسط إخوانك، فالمعتقل عند الإخوان ليس كغيرهم، فهو مدرسة للتربية، ومسجد لأداء الشعائر والتقرب إلى الله عز وجل، وأتذكر أنه في عام 1965م كان يحقق معي أحدهم، وكان آخران يتناوبان ضربي محاولين جميعهم أن أقول لهم شيئًا، وعلى الرغم من شدة الضرب والتعذيب ألهمني الله أن أتلو الآية الكريمة ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ (غافر: من الآية 44)، وأقسم بالله أنني بعدما تلوتها كأنهم ذهبوا وتركوني فلم أشعر بشيء من تعذيبهم لي وتذكرت بعدها قول الله عز وجل ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)﴾ (إبراهيم)، فهذا الثبات بفضل الله أولاً وأخيرًا.
* هل تتذكر أحد من زملائك في المعتقل؟
** بالطبع فقد كنتُ ملاصقًا للأستاذ أحمد أبو شادي والحاج مصطفى مشهور- رحمه الله- وهو الذي رشحني لمسئولية مكتب إداري جنوب القاهرة من 1997م وحتى عام 2005م ثم تركتُ المكتب بسبب اللائحة الجديدة التي وضعناها والتي تقتضي عدم البقاء لأكثر من فترتين أي ثماني سنوات، والسبب الثاني هو الظروف الصحية التي ألمَّت بي فجعلتني غير قادرٍ على مواصلة العمل بما ينبغي.
* لكم تجربة في مجلس الشعب حدثنا عنها؟
** بالفعل تم ترشيحي عن الدائرة 23 جنوب القاهرة في انتخابات مجلس الشعب عام 1995م ولم تكن هذه التجربة الوحيدة، ولكنها كانت الأبرز، ففيها وصل الظلم إلى مداه؛ حيث وصلتُ أنا وأخي د. عبد الفتاح رزق إلى مرحلة الإعادة وداخل لجنة الفرز كان مرشحي الحزب الوطني منهارين بسبب إحساسهم بقرب الهزيمة، ولكن كانت المفاجأة بأن تم إعلان فوزهما في صورة فاضحة للفساد والاستبداد والتزوير.
* بمناسبة الشهر الكريم هل يختلف رمضان في السابق عن رمضان هذه الأيام؟
** وبصوت يملؤه حزن عميق وبعين شاردة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فرمضان تحوَّل من شهر عبادة وصلة بالله عز وجل وحرص على سلامة الدين واتحاد الأمة إلى شهر لهو ومسلسلات وأفلام، وكانت عادتنا في هذا الشهر أن يحضر كل بيت قارئ يظل يقرأ القرآن في المنزل طوال الليل ونجلس نستمع إليه بعد صلاة التراويح، وكذلك التزاور وصلة الأرحام، فكان الجيران يعرف كل منهم ظروف وأحوال الآخر، أما الآن فمن الممكن أن يجاور الرجل آخر لسنوات ولا يعرف اسمه! فالناس هذه الأيام مشغولةً بغير الله، عسى الله أن يهدينا ويهديهم أجمعين.
* وأخيرًا.. ما النصيحة التي توجهها لشباب الإخوان بصفة خاصة والشباب بصفة عامة؟
** أقول لشباب الإخوان: عليكم بالتمسك بمبادئ الدعوة ومراجعة رسائل الإمام البنا والاهتمام بالقرآن والسنة والنشاط في الدعوة حتى تكون بحق "مصنعًا للرجال"، ويجب كذلك التركيز على المعسكرات التي تنمي روح الجهاد والتضحية لدى الأفراد، وأقول للشباب عليكم بسرعة الرجوع والعودة إلى الله عز وجل ومراقبة الله في كل أفعالكم وتغيير أنفسكم إلى ما يرضاه الله مصداقًا لقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 12)، والله الموفق.





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق